عماد الدين عثمان البنتني
إن تولي المسؤوليات ورياسة المنظمة الدينية والاجتماعية أمانة عظمى ومسؤولية جسيمة في المنظور الشرعي والإداري. غير أن الوصول إلى هذه المناصب بالطرق الملتوية، وعلى رأسها الرشوة، يشكل انحرافا خطيرا عن الجادة واستخفافا بمقاصد المنظمة. فالرشوة ليست مجرد خطيئة فردية تلطخ ذمة فاعلها فحسب، بل هي آفة مدمرة للكيان الجماعي، تفضي حتما إلى الهوان وفقدان البركة، وتنشر الفساد في مفاصل الجمعية والجماعة
الرشوة في الشريعة الإسلامية هي ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل، أو للتوصل إلى ما لا يستحقه الإنسان. وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش بينهما
وعليه، فإن تولي الرياسة أو رئاسة اللجان عن طريق دفع الأموال أو تقديم المنافع للناخبين أو المؤثرين يعدّ توليا باطلا في ميزان الشريعة؛ لأنه يعتمد على الخديعة وشراء الذمم وتقديم غير الكفء. وما بني على باطل فهو باطل، والمال المكتسب أو المنصب المحصل بهذه الطريقة مسلوب البركة، ممحوق التوفيق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما نبت لحم من سحت إلا النار أولى به)
الآثار المدمرة للرياسة المكتسبة بالرشوة على الجمعية والجماعة ضياع الأمانة وتقديم أهل الخيانة، عندما يصل الشخص إلى الرياسة بالمال والرشوة لا بالكفاءة والأمانة، تنعكس المعايير وتفسد المقاييس؛ فيقصى أهل الخبرة والكفاءة، ويقرب أصحاب المصالح والمطامع. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الانحراف حين قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). وضياع الأمانة في الجمعيات والجماعات يعني بداية انهيارها الداخلي
الرئيس الذي وصل بمنصب عبر الرشوة يكون مدينا لمن دفع لهم أو ساعدوه، وفاقدا للاستقلالية والنزاهة. ونتيجة لذلك: تتحول المنظمة إلى شبكة مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة للجمعية
ويفقد الرئيس هيبته الأدبية والأخلاقية أمام الأعضاء والعاملين؛ لأنه عرف بشراء المنصب لا باستحقاقه
ويعم التخاذل والهوان أفراد الجماعة لشعورهم بالظلم والقهر وغياب العدالة الإدارية
البركة هي ثمرة طاعة الله والالتزام بالأمانة والصدق. والرشوة من أعظم أسباب سخط الله تعالى ومحق البركة. فالجمعية أو الجماعة التي يسلط عليها رئيس ظالم متلبس بالرشوة تحرم التوفيق والتيسير في أعمالها؛ فتتعثر مشاريعها، وتتفرع خلافاتها، ويفشل سعيها، لأن أساس بنيانها شيّد على شفا جرف هار من الخيانة والسحت
تجاه هذه الظاهرة على الأفراد والجماعات: وجوب رفض هذه الممارسات المشينة، والصدع بالحق، وعدم إعطاء الشرعية لمن تولى بالرشوة، والحرص على اختيار الكفاءات الأمينة النزيهة
وعلى المتلبس بهذا الفعل: المبادرة الفورية إلى التوبة النصوحة، والتخلي عن المنصب الذي لا يستحقه، ورد الحقوق إلى نصابها، لئلا يباغته الأجل وهو حامل لأوزار حقوق العباد ومظالمهم
إن صيانة الجمعية والجماعات من الانزلاق في مهاوي الفساد الإداري تبدأ من تطهير آليات اختيار القيادات وجعل المعيار الأساسي فيها هو القوة والأمانة كما قصة موسى عليه السلام مع شعيب عليه الصلاة والسلام: (إن خير من استأجرت القوي الأمين). فالرياسة بالرشوة وبالة على صاحبها، ووبال على جماعتها، وما أسرع ما يؤول أمرها إلى التصدع والانهيار. والسلام

