بعد أن كشف العلم علمياً أن عائلة بني هاشم، بمن فيهم أحفاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من سيدنا علي وسيتي فاطمة، يحملون النمط الفرداني J1، يبرز التساؤل: لماذا توجد فئة صغيرة مشهورة من بني هاشم لا ينتمي نمطها الفرداني إلى J1؟ هناك أحد عشر احتمالاً على الأقل لتفسير ذلك:
أولاً: حلف القبائل
الحلف لغوياً يعني قسم الولاء أو التحالف. وفي السياق التاريخي للقبائل، وخاصة في البلدان العربية، يُعد الحلف اتفاقاً رسمياً بين قبيلتين أو أكثر لحماية بعضهم بعضاً، والمساعدة في الحرب، والتعاون في الشؤون الاجتماعية والسياسية.
يوفر الحلف الحماية للقبائل الصغيرة من مضايقات القبائل الكبيرة. الحلف ليس مجرد وعد لفظي، بل هو قسم بيعة يُؤدى عادةً أمام الكعبة المشرفة أو في مكان مقدس. ويُكمَّل الحلف أحيانًا بغمس اليدين في العطر، كما في حلف المطيبين، أو بذبح حيوان ولمس دمه رمزًا لـ”دمنا دمكم”.
ومن أشهر أنواع الحلف في التاريخ: حلف الفضول، وهو من أشهر الحلفات في مكة التي كان يتبعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. ويهدف هذا الحلف إلى الدفاع عن كل مظلوم في مكة، بغض النظر عن قبيلته. كما كان الأوس والخزرج يُحلفون قبل الإسلام مع قبائل يهودية، كبني قريظة وبني نذير، لتعزيز موقفهم في الحروب الأهلية.
ميثاق المدينة المنورة هو شكل من أشكال التحالف رفيع المستوى الذي أسسه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي وحّد قبائل مختلفة: المسلمين واليهود وغيرهم، في أمة واحدة للدفاع عن المدينة المنورة. كان ميثاق المدينة المنورة شكلاً ثورياً من أشكال التحالف تجاوز حدود عصره. عادةً ما يقوم التحالف على الروابط بين القبائل ذات المصالح المشتركة أو النسب المتقارب. أما التحالف في ميثاق المدينة المنورة، فيوحّد جماعات من مختلف الأديان والقبائل في وحدة سياسية واحدة تُسمى “الأمة”. هنا، تعمل “الأمة” كتحالف كبير يتجاوز حدود القبائل.
في المستقبل، أدى التحالف أحياناً إلى ظهور روابط نسب مصطنعة. بدأت القبائل المتحالفة تُعتبر وحدة واحدة كبيرة، كما لو كانت تنتمي إلى نسب واحد. التحالفات النسبية، مع مرور الوقت، تتحول إلى اندماج قبلي قوي. تُدمج القبيلة الصغيرة في القبيلة الأكبر وتتخذ اسمها. ومع مرور الوقت، يختفي الاسم الأصلي.
لذلك، من المحتمل أن تكون قبيلة عربية أو غير عربية من سلالة أخرى، مثل O أو J2 أو E أو R أو Q، قد تحالفت مع بني هاشم وانضمت إليهم، فأصبح من ليسوا من بني هاشم يُعرفون بالهاشميين.
ثانيًا: أحفاد بني هاشم من جهة الأم:
من المعروف أن غالبية العلماء يعتقدون أن حق الخمس (غنائم الحرب لبني هاشم) يقتصر على أحفادهم من جهة الأب. إلا أن بعض العلماء يرون خلاف ذلك، إذ يرون أن أحفادهم من جهة الأم قد ينالون الخمس أيضًا. وفي بعض مناطق الحكم السابق، كان الخمس يُمنح لأحفادهم من جهة الأم. ولعل هذا ما أدى إلى اعتبار أجيال من أحفادهم من جهة الأم، خطأً، من أحفاد هاشم من جهة الأب. ولذا، يُعرف اليوم بنو هاشم المنتمون إلى السلالات O وJ2 وE وR وQ بأنهم من أحفاد بني هاشم. لذلك، لا ينبغي للمجتمع أن يُصنّف هذه العائلات على أنها غير هاشمية، فقد يكونون من أحفادهم من جهة الأم.
ثالثًا: التبني
إذا لم تكن عائلة من بني هاشم تحمل السلالة J1 اليوم، فمن المحتمل أن يكون أحد أفرادها أو أحد أسلافها قد تبناه رجل من بني هاشم. ونتيجة لذلك، أصبح يُعرف بأنه من نسل بني هاشم.
رابعًا: التقية (إخفاء الهوية)
خلال فترات الاضطهاد السياسي، كما في العصر الأموي أو العباسي، أخفى العديد من نسل بني هاشم هوياتهم، وفي المقابل، استخدم البعض هذه الهويات لاكتساب مكانة اجتماعية أو أمان. وفي نهاية المطاف، أصبح هؤلاء الأفراد بهوياتهم الجديدة يُعرفون باسم بني هاشم.
خامساً: العبد المُعتَق (الولاء)
لا يُعتبر العبد الذي أعتقه سيده غريباً. ففي الشريعة الإسلامية والتقاليد العربية، يُصبح “مولى” (تابعاً) للقبيلة. وعندها يُضاف اسم قبيلة سيده إلى اسمه. فمثلاً، إذا أُعتِق شخصٌ على يد أفراد من بني هاشم، يُعرف باسم “فلان الهاشمي الولائي . بعد عدة أجيال، غالباً ما يختفي لقب “الولا” من السجلات الشفوية والمكتوبة، فيُعرف أحفادهم فقط كجزء من القبيلة. اجتماعياً، يُعتبرون من بني هاشم، ولكن بيولوجياً من خلال كروموسوم Y يحملون الجينات الأصلية لأسلافهم.
سادساً: معلم من بني هاشم (المشيخة)
كان تلاميذ أحد كبار بني هاشم يتخذون أحياناً اسم معلمهم احتراماً له، وهو ما اعتبره أتباعهم بعد عدة أجيال نسبهم البيولوجي.
سابعًا: التنافس بين الفرق
تحظى الفرقة، وخاصةً الفرقة الدينية، بمكانةٍ خاصة إذا كان زعيمها من نسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك، يحرص أتباع هذه الجماعة على ربط نسب زعيمهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ثامنًا: خطيئة الهوية
في الماضي، لم تكن ألقاب مثل “سيد” أو “شريف” تشير دائمًا إلى النسب البيولوجي، بل كانت تُمنح أحيانًا كألقابٍ فخرية لمن يمتلكون معرفةً دينيةً متقدمة أو قادةً روحيين. في بعض المجتمعات في آسيا الوسطى أو شبه القارة الهندية، كان يُشار إلى المعلمين الدينيين بألقابٍ مرادفةٍ لبني هاشم. بعد عدة أجيال، اعتبر أحفادهم هذه الألقاب دليلًا على النسب البيولوجي، مع أن أسلافهم كانوا في الواقع من نفس الجماعة العرقية.
تاسعًا: أخطاء المؤرخين في كتابة الأنساب
على مدى 1400 عام، تداولت سجلات الأنساب بين الأيدي، ونُسخت، وانتقلت عبر القارات. تتشابه العديد من الأسماء العربية (مثل الحسن، والحسين، وعلي). قد يؤدي خطأ مؤرخ في تسجيل اسم واحد فقط قبل 500 عام إلى ربط عائلة بنسب خاطئ تمامًا.
عاشرًا: الادعاء
إذا ادّعت عشيرة ما حاليًا أنها من بني هاشم، ولكن مجموعتها الفردانية ليست J1، فمن المحتمل أن يكون أحد أسلافها قد ادّعى في الماضي من جانب واحد أنه من بني هاشم. ثم، بمرور الوقت، اعتُرف بنسله لاحقًا كبني هاشم. تاريخيًا، كان الانتماء إلى بني هاشم يمنح مكانة اجتماعية رفيعة وحقوقًا معينة، مثل الاحترام الاجتماعي وحتى الإعفاء الضريبي من الدولة. وقد أدى ذلك إلى انخراط أفراد أو جماعات عمدًا في التسلل إلى نسب بني هاشم لتعزيز مكانتهم الاجتماعية أو لأسباب سياسية.
وقد حذر خبراء الأنساب السابقون من ظاهرة “الداخل” (تسلل الغرباء إلى النسب). ولأن فحص الحمض النووي لم يكن متاحًا آنذاك، فقد اعتمدوا كليًا على السجلات الورقية، التي ربما تكون قد زُيّفت أو عُدّلت خلال فوضى الحرب.
العامل الحادي عشر: خيانة الزوجية
علميًا، إذا كانت قبيلة ما تنتمي إلى مجموعة فردانية معينة، ثم انتمى فرع منها إلى مجموعة فردانية مختلفة، فقد يعود ذلك إلى احتمال وجود خيانة زوجية، مما يؤدي إلى تباين بين النسب الموثق والنسب الجيني. يجب علينا أن نستعين بالله تعالى لمعالجة هذا العامل الحادي عشر لعائلة بني هاشم، وخاصةً آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أما الاحتمالات الأخرى المذكورة أعلاه، فهي احتمالات يجب علينا تصديقها. لذا، ولتجنب هذا العامل الحادي عشر، يجب أن نؤمن بأنه إذا ادعت قبيلة ما أنها من نسل النبي محمد، ولكن مجموعتها الفردانية ليست J1، فهي ليست من نسل النبي محمد من جهة الذكور. وسيتم إجراء المزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كانت تربطها صلة قرابة بالنبي، سواء من جهة الأم أو من خلال عوامل أخرى.
عماد الدين عثمان البنتني


